صحوةٌ فكرية
عشتُ وعملتُ في أرجاء الشرق الأوسط الإسلامي طوال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، وشهدتُ تحولاً عميقاً ومقلقاً في المجتمعات المسلمة — ذلك التصلّب التدريجي الذي حوّل الإسلام الرحيم المنفتح إلى تطبيق صارم للقواعد الدينية. فقد أعاد صعود الدعاة المؤثرين من مصر والسعودية والكويت تشكيل النسيج الاجتماعي، مُحوِّلاً الإسلام من دين تحرر إلى دين إكراه.
ولم يقتصر هذا التشدد على قواعد اللباس والحواجز الاجتماعية، بل تناظر، بثبات مؤلم، مع موجة متصاعدة من العنف والإرهاب باسم الإسلام — تفجيرات انتحارية في المساجد والأسواق والفنادق عبر باكستان وأفغانستان والسعودية وشمال أفريقيا، ثم امتدت إلى شوارع أوروبا. هذه الأحداث هزّتني في الأعماق وأطلقت رحلة تأمل وبحث طويلة.
دفعني ذلك كله إلى كتابة مقالة "لاهوت التحرير الإسلامي، لماذا لا؟" ونشرها في وسائل الإعلام الدولية في أكتوبر 2016، إذ جادلتُ فيها بما أؤمن به حتى اليوم:
من المؤسف حقاً أن قادة المؤسسة الدينية لا يرون في النبي محمد ﷺ ثائراً اجتماعياً ولاهوتياً، في حين أنه كذلك بامتياز. إن الثورة الاجتماعية التي أطلقها قبل أربعة عشر قرناً يجب أن تتواصل اليوم وفي المستقبل. فالنبي محمد ﷺ محرِّرٌ أرسى مجتمعاً عادلاً بتغييرات اجتماعية جذرية لم تشهد لها حضارة أو دين في زمانه مثيلاً.
من ذلك الحين انطلقتُ في رحلة فكرية أعمق — عودةٌ إلى مجد الإسلام المنسي في عصره الذهبي، وإلى روح الاجتهاد تلك التقليد العريق في التفكير العقلاني المستقل الذي جعل العالم الإسلامي ذات يوم مركز المعرفة الإنسانية.
العصر الذهبي ودرسه الخالد
قادتني سنوات من البحث إلى أحد أكثر الأعمال إنارةً في هذا الموضوع: كتاب "بيت الحكمة: كيف حوّل العرب الحضارة الأوروبية" للصحفي والمؤلف جوناثان ليونز. فبيت الحكمة الأصيل الذي أسّسه الخليفة المأمون في بغداد لم يكن مكتبةً عادية، بل كان المركز الفكري للعالم المعروف آنذاك — ملتقىً للعقول الكبرى بصرف النظر عن الدين أو اللغة أو الأصل.
الخوارزمي الذي وهبنا الجبر والخوارزميات. والكندي الفيلسوف الذي جسّر الفكر اليوناني واللاهوت الإسلامي. والبتّاني الذي أسهمت حساباته الفلكية في بناء العلم الأوروبي لقرون. عربٌ وفرسٌ، مسلمون ويهود ومسيحيون، يعملون جنباً إلى جنب في روح من التفاعل المشترك، فأنتجوا اكتشافات لا يزال العالم كله ينتفع بها حتى اليوم.
بيتُ الحكمة، في أعمق معانيه، كان بيتَ العقل الإنساني الجمعي.
وجاء نهاية ذلك العصر حين أبرم الحكام تحالفاً مع رجال الدين، فاشترطوا أن يمر كل اجتهاد علمي عبر المنخل اللاهوتي. إن إخضاع العقل للأيديولوجيا لم يُفقر الحضارة الإسلامية وحدها — بل أفقر العالم أجمع. مضى على ذلك أحد عشر قرناً. حان وقت البدء من جديد.
بيت الحكمة المعاصر: رؤية
يقترح بيت الحكمة الإسلامي إنشاء أكاديمية تضم مئة عالم متميز من أرجاء العالم — مؤسسةٌ تعكس روح بيت الحكمة الأصيل، بينما تعالج التحديات الفكرية والحضارية الكبرى لعصرنا.
تُدار الأكاديمية ذاتياً بمعزل تام عن سلطة الحكومات والمؤسسات الدينية. وتُقبل الترشيحات حصراً من الجامعات المعتمدة ومراكز البحث ذات الاعتراف الدولي، صوناً للاستقلالية الأكاديمية. ويحتفظ العلماء المنتخبون بمناصبهم وانتماءاتهم القائمة، مع استحقاقهم مكافأة سنوية والانتماء إلى مجتمع فكري حي عالمي النطاق.
وإكراماً للروح التعددية لبيت الحكمة الأصيل، تتوزع المئة مقعد على ستة مجالات: الفقه الإسلامي والفلسفة القانونية والإصلاح؛ والاقتصاد الإسلامي والتمويل والتنمية؛ والعلوم والتكنولوجيا والطب والابتكار؛ والحوكمة والنظرية السياسية وحقوق الإنسان؛ والفنون والفلسفة والدراسات الحضارية؛ والحوار بين الأديان والدراسات بين الثقافات والتعليم.
كما تُكفل التمثيلية الإقليمية لمختلف مناطق العالم الإسلامي وما وراءه: شمال أفريقيا والمغرب العربي، ودول الخليج والجزيرة العربية، والمشرق العربي والعراق وإيران، وجنوب آسيا وجنوب شرقها، وأفريقيا جنوب الصحراء، وأوروبا والأمريكتين.
المبادئ التأسيسية
يُقرّ بيت الحكمة الإسلامي، بوصفه مبدأً تأسيسياً راسخاً، أن العضوية مفتوحةٌ للعلماء من جميع الأديان وجميع الأعراق وجميع الجنسيات. ويُوجّه انتقاءَ العلماء خمسةُ معايير: التميز العلمي والأثر الواضح، والأصالة والجرأة الفكرية، والصلة برسالة البيت، وغنى التنوع في المنظور والخلفية، والقدرة على الانخراط التعاوني.
كل بند في المبادئ التأسيسية قائمٌ ليضمن بقاء بيت الحكمة وفياً لما يعد به اسمه — بيتاً، مفتوحاً لكل من يبحث عن الحكمة، وحكمةً، جديرةً حقاً بهذا الاسم.
دعوة
يواصل بيت الحكمة الإسلامي الآن مسيرته عبر القنوات الدبلوماسية والمؤسسية، ويُعدّ لمؤتمره التأسيسي تحت شعار: من العصر الذهبي إلى العصر الرقمي. وندعو الجامعات ومراكز البحث والمنظمات الفكرية ووسائل الإعلام إلى الانخراط في هذه المبادرة — شركاءَ ومستشارين وأنصاراً لقناعة راسخة: أن العلم، عبر الأديان والحدود، لا يزال قادراً على تغيير العالم.
مضى أحد عشر قرناً كفى انتظاراً. بيتُ الحكمة يُعاد بناؤه.