يقطن أكثر من مليار ونصف المليار مسلم هذه الأرض. إنهم ورثة حضارة كانت، بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين، تحفظ الفلسفة الإغريقية، وتخترع الجبر، وترسم خرائط السماء، وتريد الجراحة، وتؤسس أول جامعة في العالم — القرويين في فاس بالمغرب (منذ عام 859م). لخمسة قرون، بينما كانت أوروبا تغط في عصورها المظلمة، كان بيت الحكمة في بغداد يشتعل بأنوار الحضارة الإنسانية.
ومع ذلك، اليوم، من بين هؤلاء المليار ونصف المليار روح، لا يكاد يوجد من يُعدّ عملاقاً في مجاله المختار. حضارة أنجبت الكندي وابن سينا والبيروني وابن رشد والخوارزمي — عمالقة لا تزال أسماؤهم تتردد صداها في ردهات العلم الحديث — باتت شبه غائبة عن أعلى قوائم الإنجاز الفكري الإنساني.
ثمة خلل عميق. وعلينا أن نمتلك الشجاعة للقول بذلك.
لاهوت القيود
العالم الإسلامي في أمسّ الحاجة إلى تحرير نفسه من لاهوت تحجّر عبر القرون، فتحوّل من إطار للاستفسار إلى إطار للتقييد. هل فقد علماؤنا قدرتهم على المراجعة الذاتية النقدية؟ هل يمكن خدمة ديننا بأمانة من قِبَل أولئك الذين يعدّون حدود الفكر المسموح به ثوابت لا تتحرك؟
لست عالماً، بل طالب علم — طالب أمضى أكثر من أربعة عقود يشهد تعمّق هذه الأزمة، ويؤمن بكل ذرة من قناعته أن وقت التحرر قد حان.
ما يخبرنا به العلماء
نشر البروفيسور إبراهيم موسى من جامعة نوتردام مؤخرًا عملًا شجاعًا ومنسجمًا مع المرحلة بعنوان "اللقاءات اللاهوتية الإسلامية مع العلم". يفكك فيه رواية "الانحدار الإسلامي" لا بنفي وجوده، بل بكشف سببه الحقيقي: ليس الإسلام بحد ذاته، بل التخلي عن تقاليده الفكرية.
يُبيّن أن المفكرين المسلمين في العصور السابقة تعاملوا مع التوترات الأبدية بين العقل والوحي برصانة وثقة. وأن خلافاتهم كانت تُنمّي المعرفة لا تُذكي العداء. وأن العلم واللاهوت تعايشا لا كخصمين بل كشريكين في السعي إلى الحقيقة.
يرى أن الاحتكاك بين العلم واللاهوت الإسلامي في العصر الحديث يعود إلى الاستعمار، وضعف الثقافة العلمية لدى القادة الدينيين، وغياب ما يسميه نهجًا "سيمفونيًا ومتشابكًا" للمعرفة — نهج ينسج المقدّس والعقلاني في تقليد حي ومتجدد.
العصر الذهبي لم يكن صدفة
لم يكن بيت الحكمة الأصلي وليد المصادفة. بل كان ثمرة خيار متعمد شجاع وبعيد النظر اتخذه خلفاء الدولة العباسية: استقدام معارف العالم إلى الحضارة الإسلامية، بصرف النظر عن مصدرها. فُرحّب بالعلماء المسيحيين والفلاسفة اليهود والعلماء الفرس والنصوص الإغريقية. وازدهرت الترجمة والتوليف والاكتشاف الأصيل معًا.
السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس ما إذا كنا قادرين على استعادة تلك الروح؛ بل: هل نملك الإرادة للمحاولة؟
يجيب بيت الحكمة الجديد: نعم. البحث جارٍ عن مئة عالم متميز من مختلف التخصصات والأديان ممن يؤمنون بأن مساهمة الإسلام الأعظم للقرن الحادي والعشرين لم تُقدَّم بعد. واختيار المقر الدائم لبيت الحكمة جارٍ أيضًا، يسترشد لا بالملاءمة بل بالتبعات.
لإخواننا وأخواتنا في أرجاء العالم الإسلامي، من الشواطئ الأطلسية لغرب أفريقيا إلى جزر المحيط الهادئ، نقول: الانحدار ليس قدرنا. إنه حالة عارضة، والأحوال تتغير. الإيمان الذي أضاء مشعل العالم لخمسة قرون يحمل في طياته بذور تجدده.
لكن التجديد يستلزم الصدق. يستلزم منا الإقرار بأن بعض الأطر اللاهوتية، مهما كانت النوايا صادقة، باتت عقبات أمام حرية البحث التي حمل الإسلام لواءها في الأصل. يستلزم منا طرح أسئلة عسيرة: لماذا لا تُنتج جامعاتنا رواد فكر؟ لماذا كثيرًا ما تنظر السلطة الدينية إلى البحث العلمي بريبة بدل أن تعتنقه عبادةً؟
لشركائنا في العالم الأوسع، نقول: حضارتكم مدينة للبحث العلمي الإسلامي بأكثر مما تعترف به كتبكم المدرسية. الأرقام العربية التي تحسبون بها، والجبر الذي يقوم عليه هندستكم، والرصد الفلكي الذي يرشد ملاحيكم، والنصوص الطبية التي أعدّت أطباءكم لقرون — هذه كلها هبات من الحضارة الإسلامية، نُقلت عبر الأندلس وحركات الترجمة الكبرى في العالم الوسيط.
إن صورة الإسلام النمطية باعتباره معاديًا بطبعه للعقل والعلم والحداثة ليست كذبًا تاريخيًا فحسب — بل هي خطر استراتيجي. عالم ينفصل فيه مليار ونصف إنسان عن المشروع الفكري العالمي هو عالم يخسر خسارة فادحة. ولا يدعوكم بيت الحكمة الإسلامي بوصفكم رعاةً لحضارة أدنى، بل شركاءَ في مسعى إنساني مشترك.
لا ينبغي أن يتشكّل الحوار بين الإسلام والعالم الأوسع بالريبة وهواجس الأمن وخطاب صراع الحضارات. يمكنه — ويجب أن يكون — محكومًا بالروح ذاتها التي أحيت بيت الحكمة الأصلي: الفضول، والاحترام المتبادل، والقناعة المشتركة بأن الحقيقة ليست حكرًا على تقليد بعينه.
من العصر الذهبي إلى العصر الرقمي
نحن لا نتطلع إلى الوراء بحنين. نتطلع إلى الوراء لنتذكر ما هو ممكن — ثم نتطلع إلى الأمام بأدوات القرن الحادي والعشرين وتقنياته وإلحاحه.
الأسئلة التي تواجهنا هي أسئلة عصرنا: كيف يتناول الفقه الإسلامي الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الحيوية والحوكمة الرقمية؟ كيف يطرح الاقتصاد الإسلامي بدائل لنظام مالي عالمي يعصف به التفاوت؟ كيف تُسهم الفلسفة الإسلامية في الحوارات العاجلة حول الهوية والمعنى والحالة الإنسانية في عصر علماني؟ كيف يُسهم التقليد الإسلامي في الحوار بين الأديان في إصلاح عالم يتشقق على أسس دينية؟
هذه ليست أسئلة للجبناء. هي أسئلة للحكماء.